العيني
115
عمدة القاري
صلى الله عليه وسلم وشفقة على المسلمين لئلا يؤذوا النبي ، عليه الصلاة والسلام . فيدخلوا تحت قوله : * ( إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة واعد لهم عذاباً مهيناً ) * ( الأحزاب : 57 ) . وعن ابن عباس ، رضي الله عنهما : كان قوم يسألون رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، استهزاء فيقول الرجل : من أبي ؟ ويقول الرجل تضل ناقته : أين ناقتي ؟ فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية . فإن قلت : بماذا نصب : رباً وديناً ونبياً ؟ قلت : على التمييز ، وهو ، وإن كان الأصل أن يكون في المعنى فاعلاً ، يجوز أن يكون مفعولاً أيضاً ، كقوله تعالى : * ( وفجرنا الأرض عيوناً ) * ( القمر : 12 ) ويجوز أن يكون نصبها على المفعولية ، لأن : رضي إذا عدي بالباء يتعدى إلى مفعول آخر ، والمراد من الدين ههنا التوحيد ، وبه فسر الزمخشري في قوله تعالى : * ( ومن يبتغ غير الإسلام ديناً ) * ( آل عمران : 85 ) يعني التوحيد ، وأما في حديث عمر ، رضي الله تعالى عنه ، قال : ( بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل . . . ) الحديث ، فقد أطلق رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، الدين على الإسلام والإيمان والإحسان . بقوله : ( إنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ) . وإنما علمهم هذه الثلاثة ، والحاصل أن الدين تارة يطلق على الثلاثة التي سأل عنها جبريل ، عليه السلام . وتارة يطلق على الإسلام كما في قوله تعالى : * ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ) * ( المائدة : 3 ) وهذا يمنع قول من يقول : بين الآية والحديث معارضة حيث أطلق الدين في الحديث على ثلاثة أشياء ، وفي الآية على شيء واحد . واختلاف الإطلاق إما بالاشتراك أو بالحقيقة أو المجاز أو بالتواطىء ، ففي الحديث أطلق على مجموع الثلاثة وهو أحد مدلوليه ، وفي الآية أطلق على الإسلام وحده ، وهو مسماه الآخر . فإن قلت : لم قال . بالإسلام ، ولم يقل : بالإيمان ؟ قلت : الإسلام والإيمان واحد ، فلا يرد السؤال . قوله : ( فسكت ) أي : رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، وفي بعض النسخ وجد قبل لفظة ثلاثاً أي : قاله ثلاث مرات . وفي بعض الروايات : ( فسكن غضبه ) موضع ( فسكت ) . وكان ذلك من أثر ما قاله عمر ، رضي الله تعالى عنه ، فلم يزل موفقاً في رأيه ينطق الحق على لسانه ، رضي الله عنه ، والله أعلم . 30 ( ( باب مَنْ أعادَ الحَدِيثَ ثَلاثاً لِيُفْهَمَ عَنْهُ ) ) أي هذا باب في بيان من أعاد كلامه في أمور الدين ثلاث مرات لأجل أن يفهم عنه ، وفي بعض النسخ : ليفهم ، بكسر الهاء بدون لفظة : عنه . أي : ليفهم غيره . قال الخطابي : إعادة الكلام ثلاثاً إما لأن من الحاضرين من يقصر فهمه عن وعيه فيكرره ليفهم ، وإما أن يكون القول فيه بعض الإشكال فيتظاهر بالبيان . وقال أبو الزناد : أو أراد الإبلاغ في التعليم والزجر في الموعظة . وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول يرجع إلى شأن السائل المتعلم ، وهذا الباب أيضاً في شأن المتعلم ، لأن إعادة النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات إنما كانت لأجل المتعلمين والسائلين ليفهموا كلامه حق الفهم ، ولا يفوت عنهم شيء من كلامه الكريم . فقال : ألاَ وقَوْلُ الزُّورِ ، فَمَا زَالَ يُكرِّرُها هذه قطعة من حديث ذكرها على سبيل التعليق ، وذكره في كتاب الشهادات موصولاً بتمامه ، وهو أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ ثلاثاً ، قالوا : بلى يا رسول الله . قال : الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وجلس وكان متكئاً ، فقال : ألا وقول الزور ، فما زال يكررها حتى قلنا : ليته سكت ) . قوله : ( ألا ) مخفف حرف التنبيه ، ذكر ليدل على تحقيق ما بعده وتأكيده . قوله : ( وقول الزور ) في الحديث مرفوع عطفاً على قوله : ( الإشراك بالله ) فههنا أيضاً مرفوع لأنه حكاية عنه ، و : الزور ، بضم الزاي : الكذب والميل عن الحق ، والمراد منه الشهادة ، فلذلك أنث الضمير في قوله : يكررها ، وأنثه باعتبار الجملة ، أو باعتبار الثلاثة . ومعنى قوله : ( فما زال يكررها ) أي : ما دام في مجلسه لا مدة عمره . وقال ابنُ عُمَرَ : قال النَّبيِّ ، صلى الله عليه وسلم : هَلْ بَلَّغْتُ ثَلاثاً هذا أيضاً ، تعليق وصله في خطبة الوداع عن عبد اللَّه بن عمر ، رضي الله عنهما ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع : ( ألا أي شهر تعلمونه أعظم حرمة ؟ قالوا : ألا شهرنا هذا . قال : ألا أي بلد تعلمونه أعظم حرمة ؟ قالوا : ألا بلدنا هذا . قال : ألا أي يوم تعلمونه أعظم حرمة ؟ قالوا : ألا يومنا هذا . قال : فإن الله تبارك وتعالى حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم إلاَّ بحقها كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا . في شهركم هذا ألا هل بلغت ؟ ثلاثاً . كل ذلك يجيبونه : ألا نعم . قال : ويحكم أو : ويلكم لا ترجعن بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ) . قوله : ( ثلاثا ) . يتعلق بقوله : ( قال ) . لا بقوله : ( بلغت ) . والمعنى : قال : هل بلغت ؟ ثلاث مرات .